حزن
07-12-2003, 01:06 AM
قالت .. وما اسخفها ..
"اكتبي رساله للأسير .. فيما لا يتجاوز خمسه عشـر سطراً "
هذا ما قالته .. وملأت به دموعي..
والعلك في فمها كره بيضاء لزجه تستحم بلعابها..
جلست على الكرسي أمامنا وهي تمسح ملامحنا بعينيها .. مردده بضجر "عينك في ورائك" ..
ثم شرعت تقرأ في جريده ..
"تك .. تك .. تك"
لا شي يخترق الصمت سوى تكتكه العلك في فمها .. وأزيز المكيفات..
الابتسامات تقطر من الشفاه الشابه المتورده .. الكل متفاءل بسهوله الموضوع الذي اختارته ابله مديحه لاختبار التعبير .. الغمزات المتناثره في حجره الصف والتمنيات بـدرجات عاليه عمت الاجـواء ..
وحدي أنا .. أبدو غريبه عن كل هذا ..
وحدي أنا .. غريبه ..
غريبه جــداً ..
يا أسـامه .. !
هيا لنكتب .. !
لحظه ..
سأمزج بالحبر بعض دموعي ..
ربما سيصبح خطي أجمل ..
أتدري يا أسامه ..
أتدري ..
مئات الأفكار تزاحمني هذه اللحظه ..
ماذا أقول عندما تتقطر الحروف بين يدي الذكرى الأقسى ..
لا أقاوم نظره ارمق بها مدرستي .
"ألم تجدي موضوعاً غير هذا؟ "
مساكين هؤلاء الناس يا أسـامه ..
يظنون أنهم .. يشاركوننا فقدكم ..
ويؤدون واجبهم تجاه قضيتنا بتأفف .. أو بسذاجـه ..
بابتذال بشع ..
بتلك الشرائط الصفراء التي نعلقها على حقائبنا المدرسيـه ..
" لن ننساكم "
والأغاني .. وبصوت أمهاتنا يسيل من التلفاز بغصه قديمه .. غصه عمرها عشر سنوات يا أسـامه ..
ورحلات خاصه لأبناء الأسرى إلى ( المدينه الترفيهيـــه ) ..
وكأنه قدر أن تلاحقنا الذكرى الأقسى ..
أو أن نبقى "غرباء" يا أخــي ..
غرباء!
على فكره ..
ما زالت الحقائب المدرسيه تحمل على الظهر ..
ومازالت كتبنا بثقل الحجاره ..
وما زال طريق الذهاب إلى المدرسه غير مرصـوف ..
لكننا صرنا نحيي العلم بحمـاس أكبر ..
بالأمس ..
عانيت من أرق مزعج ..
لعله بسبب القهوه .. أو الملل ..
أو ربما ..
لأن النوم والاستيقاظ أصبحا بلا معنى ..
أيامنا تسير على الوتيره ذاتها ..
تتواءم في كل شي إلا في نصيبنا من الفرح ..
عاده .. عندما نرى توأماً في الشارع أو في السوق نبتسم بسرور : "منظرهما لطيف" !
ولكن توائم الأيام كريـــهه ..
ملامحها رماد عابس ..
وعيون صدئه .. تنزف رصاصـاً حاراً..
أو هكذا أتخيلها ..
سأرسب في اختبار التعبير حتما ..
إذ ثرثرتي أبعد ما تكون عن قضيه الأسير ..
ربما لأن لي أخـاً هناك ..
بين قضبان اللاعدالـه ..
أسر عندما كان في التاسعه من عمـره ..
لازلت أحاول أن أقنع أمي بأنه قـد مــات ..
سيريحها ذلك ..
سيريحني أنا .. بالأحرى !
لكن دموعها الرافضه للتصديق تخرسني دائماُ ..
ابتلع حروفي وأبقى انتظر .. عند الشرفه انتظر ..
وأنام على الرخام البارد ..
انتظر عودتك المزعومه ..
أمي مريضه جداً يا أســــامه ..
تعاني من ضعف في القلب ..
على عكسها أصبحت فتاه متحجره ..
أطرافي ترتعد بقسوه .. إذ أنا أخط لك هذه السطور ..
ولكني أحاول أن أتماسك .. كي لا أبكي ..
لا أدري لماذا .. يجب أن لا أبكي ..
وكأن هناك من يصرخ داخل أذني " لا تبكي " !
قد يكون هذا الصوت الذي أسمعه صوتك .. لهذا اعتبره امراً مقدسا ..
عنيده جدا انا .. لم اتغير ..
احاول قدر ما استطيع ان اكون حجرا ..
جبلا ..
جدارا ..
دولابا كبيرا ..
احاول قدر المستطاع .. ان اتصنع الصلابه والقوه ..
فما ارخصها الدموع .. في بيت الأسير ..
لكني اعترف .. يا اسامه ..
بأنني ..
بأنني ..
في بعض الأحيان ..
استسلم لسطوتها ..
لا ادري ما الذي جعلني اعترف ..
تباً ها قد بدأت اذرفها ..!
ذات أرق ..
دخلت غرفتك والرهبه تملؤني ..
أنا في غنى عن اخبارك ..
بأن امي ما زالت تنظفها كل اسبوع ..
تعطرها .. وتبخرها .. وتغسلها ببعض دموعها .. ودعواتها البيضاء ..
تغير لك ملابسك بشكل دوري ..
اصبح لدينا صندوقاً كاملاً مليئاً بالملابس الغير مستخدمه ..
من سن التاسعه وحتى سن العشرين ..
أمي حريصه على أن تجد المكان هنا مريحاً عندما تعود..
اتصدق ..
بدأت مؤخراً تبحث عن عروس لك .. كلما وجدت فتاه مناسبه قالت " هذي عروس أسامه ان شاء الله "..
كم يبدو الكذب جميلاً احيانا !
اصبح لديها قائمه بأسماء الفتيات اللاتي فزن باعجابها ..
بمرور الأيام ..
فلانه تتزوج .. وفلانه تنخطب ..
وتضع أمي خطا عريضا على اسم الفتاه التي يتضح انها ليست من نصيبك ..
وتتمتم بصوت مخنوق " قسمه ونصيـب! "
ولأننا نعرف .. انك تكره ان يعبث احد بخصوصياتك ..
لم يجرؤ احد على أن يلمس غرفتك ..
امي وحدها تملك صلاحيه ذلك ..
اتصدق ..
بالأمس عثرت على شعرتين .. من شعر رأسك ..
بين أسنان المشط ..
أقمت بتلك المناسبه حفله ..
حفله بكاء ..
ما جدوى كتابه هذه الرساله ..
بدون زواجل .. بدون عنوان .. بدون هدف ..
اللهم إلا فضح احزاننا بوقاحه امام عين لا تحترم طهارتها !
أنا اليوم اكتب لأثرثر ..
عازمه هذه المره .. على ان ارسب باختبار التعبير ..
تعبيرا عن احتجاجي ..
ابله مديحه تعرف بأنني الاولى في التعبير ..
عندما ترى ورقتي مليئه بالثرثره الفارغه ..
وستعطيني -أنا طالبتها المفضله- الصفر الذي أريده ..
ستندم لأنها فتقت جراحي ..
ستندم لأنها تعبث بدموع العاجزين أمثالي ..
لأنها امتهنت قضيه إنسانيه بهذا الابتذال ..
" تك .. تك .. تك "
صوت علكها يضاعف اشمئزازي ..
على فكره ..
وافق ابي اخيرا على شراء طاوله طعام ..
اتذكر كم كنا نتشاجر حول هذا الموضوع ؟ كنت تقول بأن الاكل على الارض افضل حتى يتسنى لك اللعب بالكره داخل المنزل ..
وكنت أماريك وأسفه رأيك ..
يبدو انني انتصرت .. وان كان انتصاراً مؤجلاً جدا ..
ولكنني اكتشفت بعدها انك على حق ..
طاوله الطعام جعلت غرفه الجلوس تبدو أضيق ..
عدا انها تبدو على وفاق مع باقي قطع الأثاث ..
بدأت مؤخراً اطالب بتغييرها ..
منزلنا قديم جداً ..
بدأ الزمن يأكل جدرانه ..
نحاول ترميمه بين الحين والآخر ..
نقودنا لا تكفي .. ولكن سمو الأمير يقدم لنا الكثير من العون ..
كنت كثيراً ما احلم بالظهور على شاشه التلفاز ..
وبمصافحه سمو الأمير ..
لكي أخبره بكلمات طالما أردت قولها له ..
" بابا جابر كم نحن نحبك " !
عندما تحقق لي ذلك .. بكيت .. اكلت اصابعي ندماً ..
آخر ما اريده .. ان اظهر على الملأ .. لأصف لهم فاجعه اختطافك طفلاً .. من حضن أمك..
آخر ما اريده .. أن اصافح بابا جابر .. لأن لي أخاً أسيراً ..
وأجد الدموع تخنق صوتي ..
فأعجز عن اخباره بما أريد ..
" بابا جابر كم نحن نحبك " !
أسامه ..
اخبرني كيف تبدو ؟
صورتك تقول بأن شعرك أسود ..
لا أدري لماذا اتخيلك بشعر بني ..
لا ادري من منا على حق ..
انا اكيده بانك تغيرت كثيراً ..
واحد من الاسباب التي جعلتني ابكي ..
هو خوفي من ان اراك ولا اميز ملامحك ..
كنت في الثامنه عندما رايتك لآخر مره ..
لن .. ولن .. ولن ..
والله العظيم ..
لن يكون هناك أي مبرر ..
لأسر طفل !
لأسر طفل !!
لأسر طفل !!
آآآآه سأصمت ..
سأصمت هنا ..
لأنني اذا فكرت في اولئك السحال ..
سأملأ الورقه بالشتائم والسباب واللعان..
قد يجعل ذلك ابله مديحه تصفق لي بحـراره ..
وتمنحني الدرجه الكامله ..
وأنا لا أريد ذلك ..
أريد أن أرسب اليوم ..
سأجعلها تندم !!
على فكره ..
ما زال يروق لي أن ألقبهم بالسحالي الخضراء ..
أو بالجراد ..
أتذكر .. مدى الذعر الذي اعترانا ..
عندنا رأيناهم بأعداد مهوله .. يجوبون الكويت .. ويسعون فيها فسـاداً ..
كانوا كأسراب الجراد عندما يقتل خضره العشب ..
وكنا كالنمل المذعور ..
يـــاه .. ما أشنعه من وصف ..
الهدوء يملأ غرفه الصف ..
أكاد لا أسمع غير صوت همسات الأقلام في صدر الورق ..
علامات الاندماج واضحه على وجوه البنات ..
يكتبن بانهماك ..
وتأثر ..
ناديه تبدو مضحكه عندما تقطب جبينها ..
أراهن بأن أوراقهن مليئه بعبارات ..
" نحبك .. نفتديك .. لن ننساك "
أو
" اصمد يا بطل الكويت .. الكويت تنتظر عودتك يا ابنها البار "
أو .. سيملآن الورقه بالأسئله الفارغه .. الموغله بالأسى ..
" هل تأكل ؟ هل تشرب ؟ هل تتغطى جيدا أثناء النوم؟ "
ليتني استطيع ان اكتب لك شيئا كهذا يا اسامه ..
فاطمه تنظر إلي بشفقه .. ترى ورقتي .. مليئه بالشخابيط ..
مليئه بالبياض الأسود ..
مليئه .. باللا شيء ..
وحده فطوم تفهم ما بي .. وحدها تعرف أن لي أخاً أسيراً ..
وحدها تعرف كم انا ناقمه على ابله مديحه ..
لطالما كانت معلمتنا ساذجه .. إلى درجه الغباء ..
ولكن غباءها اليوم يتجلى بكل بشاعه في ثوب من اللا إنسانيه ..
"تك .. تك .. تك"
ما زالت تعلك !
غبيه أبله مديحه ..
تظن بأنني سأكتب كلمه واحده يا أسامه ..
تظن بأني سأسلمها هذي الثرثره التي ما كنت لاكتبها الا لتمضيه الوقت ..
كيف اسمح لها بأن تقرأ رسالتي .. مشاعري .. دموعي
ثم تلوث بياضها بقلمها الأحمر !
مشاعري لا تخطيء ..
ولا دموعي ..
رسالتي هذه ليست للتصويب .. !!
لماذا يجعلون الأمر بهذه البساطه البشعه !!
ابله مديحه لاحظت ارتباكي ..
كثره التفاتي ..
" عينك في ورائك يا بنت يا ساره "
يااااه .. ما زالت ساذجه ..
تفلت العلك في منديل أبيض ..
وأخرجت من حقيبتها آخر ..
"تك .. تك .. تك"
مره أخـرى ..
وكأنها تأبي الا أن يرافق هذا الإيقاع الرتيب الوجع الأقسى ..
فطوم تنظر إلى بشفقه أكبر ..
تهمس : " ساره عطيني ورقتك اكتب لك التعبير باقي عشر دقايق بس "
اتظاهر بالصمم .. ولا أرد ..
عشر دقائق فقط .. وينتهى مهرجان السخف هذا ..
ماذا سأكتب ايضا ؟
اغنيه لمحمد عبده ؟
قصيده لمحمود درويش ؟
أم أكتب عن حاله الطقس اليوم .. وشاعريه الشتاء في الكويت ..
وكيف أنه .. يبعث فيّ الرغبه في الاحتضان ..
وكيف أنني .. لا أجد من احتضنه .. !!
سأكتب عن أي شيء يا أسامه ..
إلا عنك !
بدأت تمطر في الخارج ..
ممتنه أنا للسماء ..
اعرف انني عندما اغادر الصف ..
سأقف تحت المطر .. وأبكي ..
وأبكي .. وأبكي ..
لكي لا يلحظ أحد غزاره دمـــوعي ..
فيمر الأمر بخير ..
دون إثاره فضول وتساؤلات .. وشفقه كريهه أبغض صاحبها .. رغم نبل مشاعره ..!
الشتاء بارد هذا العام .. والنوافذ مغطاه بالضباب ..
أحب منظرها هكذا ..
بالمناسبه .. كيف هو الجو في العراق ؟
يقولون بأن الشتاء قاس هناك ..
أمي اشترت لك بالأمس ستره جلديه فاخره ..
عندما قرأت الذعر في عيني قالت " الجو بـارد " ..
أسامه ..
قبل أن تعود ..
أخبرنا أنك عازم على العوده ..
حتى اتوقف عن هذا البكاء الصامت ..
وأفكر لوهله .. بالصراخ فوق السطوح ..
الانتظار متعب ..
ورخام أرضيه الشرفه بارد ..
والأرجح أنني سأصاب باحتقان في حنجرتي ..
أو بنزله برد ..
دقائق بقيت ..
الطالبات يغادرن الصف ..
سأغادر ايضاً ..
سأعطي ابله مديحه ورقه الاختبار فارغه ..
أما بالنسبه لهذه الرساله التي اكتبها الآن ..
فسأدسها في جيبي ..
وبخصوص الصفر الرائع الذي سيزخرف شهادتي غداً .. فكن واثقاً بأنني نلت الدرجه الأعلى ..
أحبك كثيراً ..
ســــاره
قصه منقوله**17** <==للامانه فقط
"اكتبي رساله للأسير .. فيما لا يتجاوز خمسه عشـر سطراً "
هذا ما قالته .. وملأت به دموعي..
والعلك في فمها كره بيضاء لزجه تستحم بلعابها..
جلست على الكرسي أمامنا وهي تمسح ملامحنا بعينيها .. مردده بضجر "عينك في ورائك" ..
ثم شرعت تقرأ في جريده ..
"تك .. تك .. تك"
لا شي يخترق الصمت سوى تكتكه العلك في فمها .. وأزيز المكيفات..
الابتسامات تقطر من الشفاه الشابه المتورده .. الكل متفاءل بسهوله الموضوع الذي اختارته ابله مديحه لاختبار التعبير .. الغمزات المتناثره في حجره الصف والتمنيات بـدرجات عاليه عمت الاجـواء ..
وحدي أنا .. أبدو غريبه عن كل هذا ..
وحدي أنا .. غريبه ..
غريبه جــداً ..
يا أسـامه .. !
هيا لنكتب .. !
لحظه ..
سأمزج بالحبر بعض دموعي ..
ربما سيصبح خطي أجمل ..
أتدري يا أسامه ..
أتدري ..
مئات الأفكار تزاحمني هذه اللحظه ..
ماذا أقول عندما تتقطر الحروف بين يدي الذكرى الأقسى ..
لا أقاوم نظره ارمق بها مدرستي .
"ألم تجدي موضوعاً غير هذا؟ "
مساكين هؤلاء الناس يا أسـامه ..
يظنون أنهم .. يشاركوننا فقدكم ..
ويؤدون واجبهم تجاه قضيتنا بتأفف .. أو بسذاجـه ..
بابتذال بشع ..
بتلك الشرائط الصفراء التي نعلقها على حقائبنا المدرسيـه ..
" لن ننساكم "
والأغاني .. وبصوت أمهاتنا يسيل من التلفاز بغصه قديمه .. غصه عمرها عشر سنوات يا أسـامه ..
ورحلات خاصه لأبناء الأسرى إلى ( المدينه الترفيهيـــه ) ..
وكأنه قدر أن تلاحقنا الذكرى الأقسى ..
أو أن نبقى "غرباء" يا أخــي ..
غرباء!
على فكره ..
ما زالت الحقائب المدرسيه تحمل على الظهر ..
ومازالت كتبنا بثقل الحجاره ..
وما زال طريق الذهاب إلى المدرسه غير مرصـوف ..
لكننا صرنا نحيي العلم بحمـاس أكبر ..
بالأمس ..
عانيت من أرق مزعج ..
لعله بسبب القهوه .. أو الملل ..
أو ربما ..
لأن النوم والاستيقاظ أصبحا بلا معنى ..
أيامنا تسير على الوتيره ذاتها ..
تتواءم في كل شي إلا في نصيبنا من الفرح ..
عاده .. عندما نرى توأماً في الشارع أو في السوق نبتسم بسرور : "منظرهما لطيف" !
ولكن توائم الأيام كريـــهه ..
ملامحها رماد عابس ..
وعيون صدئه .. تنزف رصاصـاً حاراً..
أو هكذا أتخيلها ..
سأرسب في اختبار التعبير حتما ..
إذ ثرثرتي أبعد ما تكون عن قضيه الأسير ..
ربما لأن لي أخـاً هناك ..
بين قضبان اللاعدالـه ..
أسر عندما كان في التاسعه من عمـره ..
لازلت أحاول أن أقنع أمي بأنه قـد مــات ..
سيريحها ذلك ..
سيريحني أنا .. بالأحرى !
لكن دموعها الرافضه للتصديق تخرسني دائماُ ..
ابتلع حروفي وأبقى انتظر .. عند الشرفه انتظر ..
وأنام على الرخام البارد ..
انتظر عودتك المزعومه ..
أمي مريضه جداً يا أســــامه ..
تعاني من ضعف في القلب ..
على عكسها أصبحت فتاه متحجره ..
أطرافي ترتعد بقسوه .. إذ أنا أخط لك هذه السطور ..
ولكني أحاول أن أتماسك .. كي لا أبكي ..
لا أدري لماذا .. يجب أن لا أبكي ..
وكأن هناك من يصرخ داخل أذني " لا تبكي " !
قد يكون هذا الصوت الذي أسمعه صوتك .. لهذا اعتبره امراً مقدسا ..
عنيده جدا انا .. لم اتغير ..
احاول قدر ما استطيع ان اكون حجرا ..
جبلا ..
جدارا ..
دولابا كبيرا ..
احاول قدر المستطاع .. ان اتصنع الصلابه والقوه ..
فما ارخصها الدموع .. في بيت الأسير ..
لكني اعترف .. يا اسامه ..
بأنني ..
بأنني ..
في بعض الأحيان ..
استسلم لسطوتها ..
لا ادري ما الذي جعلني اعترف ..
تباً ها قد بدأت اذرفها ..!
ذات أرق ..
دخلت غرفتك والرهبه تملؤني ..
أنا في غنى عن اخبارك ..
بأن امي ما زالت تنظفها كل اسبوع ..
تعطرها .. وتبخرها .. وتغسلها ببعض دموعها .. ودعواتها البيضاء ..
تغير لك ملابسك بشكل دوري ..
اصبح لدينا صندوقاً كاملاً مليئاً بالملابس الغير مستخدمه ..
من سن التاسعه وحتى سن العشرين ..
أمي حريصه على أن تجد المكان هنا مريحاً عندما تعود..
اتصدق ..
بدأت مؤخراً تبحث عن عروس لك .. كلما وجدت فتاه مناسبه قالت " هذي عروس أسامه ان شاء الله "..
كم يبدو الكذب جميلاً احيانا !
اصبح لديها قائمه بأسماء الفتيات اللاتي فزن باعجابها ..
بمرور الأيام ..
فلانه تتزوج .. وفلانه تنخطب ..
وتضع أمي خطا عريضا على اسم الفتاه التي يتضح انها ليست من نصيبك ..
وتتمتم بصوت مخنوق " قسمه ونصيـب! "
ولأننا نعرف .. انك تكره ان يعبث احد بخصوصياتك ..
لم يجرؤ احد على أن يلمس غرفتك ..
امي وحدها تملك صلاحيه ذلك ..
اتصدق ..
بالأمس عثرت على شعرتين .. من شعر رأسك ..
بين أسنان المشط ..
أقمت بتلك المناسبه حفله ..
حفله بكاء ..
ما جدوى كتابه هذه الرساله ..
بدون زواجل .. بدون عنوان .. بدون هدف ..
اللهم إلا فضح احزاننا بوقاحه امام عين لا تحترم طهارتها !
أنا اليوم اكتب لأثرثر ..
عازمه هذه المره .. على ان ارسب باختبار التعبير ..
تعبيرا عن احتجاجي ..
ابله مديحه تعرف بأنني الاولى في التعبير ..
عندما ترى ورقتي مليئه بالثرثره الفارغه ..
وستعطيني -أنا طالبتها المفضله- الصفر الذي أريده ..
ستندم لأنها فتقت جراحي ..
ستندم لأنها تعبث بدموع العاجزين أمثالي ..
لأنها امتهنت قضيه إنسانيه بهذا الابتذال ..
" تك .. تك .. تك "
صوت علكها يضاعف اشمئزازي ..
على فكره ..
وافق ابي اخيرا على شراء طاوله طعام ..
اتذكر كم كنا نتشاجر حول هذا الموضوع ؟ كنت تقول بأن الاكل على الارض افضل حتى يتسنى لك اللعب بالكره داخل المنزل ..
وكنت أماريك وأسفه رأيك ..
يبدو انني انتصرت .. وان كان انتصاراً مؤجلاً جدا ..
ولكنني اكتشفت بعدها انك على حق ..
طاوله الطعام جعلت غرفه الجلوس تبدو أضيق ..
عدا انها تبدو على وفاق مع باقي قطع الأثاث ..
بدأت مؤخراً اطالب بتغييرها ..
منزلنا قديم جداً ..
بدأ الزمن يأكل جدرانه ..
نحاول ترميمه بين الحين والآخر ..
نقودنا لا تكفي .. ولكن سمو الأمير يقدم لنا الكثير من العون ..
كنت كثيراً ما احلم بالظهور على شاشه التلفاز ..
وبمصافحه سمو الأمير ..
لكي أخبره بكلمات طالما أردت قولها له ..
" بابا جابر كم نحن نحبك " !
عندما تحقق لي ذلك .. بكيت .. اكلت اصابعي ندماً ..
آخر ما اريده .. ان اظهر على الملأ .. لأصف لهم فاجعه اختطافك طفلاً .. من حضن أمك..
آخر ما اريده .. أن اصافح بابا جابر .. لأن لي أخاً أسيراً ..
وأجد الدموع تخنق صوتي ..
فأعجز عن اخباره بما أريد ..
" بابا جابر كم نحن نحبك " !
أسامه ..
اخبرني كيف تبدو ؟
صورتك تقول بأن شعرك أسود ..
لا أدري لماذا اتخيلك بشعر بني ..
لا ادري من منا على حق ..
انا اكيده بانك تغيرت كثيراً ..
واحد من الاسباب التي جعلتني ابكي ..
هو خوفي من ان اراك ولا اميز ملامحك ..
كنت في الثامنه عندما رايتك لآخر مره ..
لن .. ولن .. ولن ..
والله العظيم ..
لن يكون هناك أي مبرر ..
لأسر طفل !
لأسر طفل !!
لأسر طفل !!
آآآآه سأصمت ..
سأصمت هنا ..
لأنني اذا فكرت في اولئك السحال ..
سأملأ الورقه بالشتائم والسباب واللعان..
قد يجعل ذلك ابله مديحه تصفق لي بحـراره ..
وتمنحني الدرجه الكامله ..
وأنا لا أريد ذلك ..
أريد أن أرسب اليوم ..
سأجعلها تندم !!
على فكره ..
ما زال يروق لي أن ألقبهم بالسحالي الخضراء ..
أو بالجراد ..
أتذكر .. مدى الذعر الذي اعترانا ..
عندنا رأيناهم بأعداد مهوله .. يجوبون الكويت .. ويسعون فيها فسـاداً ..
كانوا كأسراب الجراد عندما يقتل خضره العشب ..
وكنا كالنمل المذعور ..
يـــاه .. ما أشنعه من وصف ..
الهدوء يملأ غرفه الصف ..
أكاد لا أسمع غير صوت همسات الأقلام في صدر الورق ..
علامات الاندماج واضحه على وجوه البنات ..
يكتبن بانهماك ..
وتأثر ..
ناديه تبدو مضحكه عندما تقطب جبينها ..
أراهن بأن أوراقهن مليئه بعبارات ..
" نحبك .. نفتديك .. لن ننساك "
أو
" اصمد يا بطل الكويت .. الكويت تنتظر عودتك يا ابنها البار "
أو .. سيملآن الورقه بالأسئله الفارغه .. الموغله بالأسى ..
" هل تأكل ؟ هل تشرب ؟ هل تتغطى جيدا أثناء النوم؟ "
ليتني استطيع ان اكتب لك شيئا كهذا يا اسامه ..
فاطمه تنظر إلي بشفقه .. ترى ورقتي .. مليئه بالشخابيط ..
مليئه بالبياض الأسود ..
مليئه .. باللا شيء ..
وحده فطوم تفهم ما بي .. وحدها تعرف أن لي أخاً أسيراً ..
وحدها تعرف كم انا ناقمه على ابله مديحه ..
لطالما كانت معلمتنا ساذجه .. إلى درجه الغباء ..
ولكن غباءها اليوم يتجلى بكل بشاعه في ثوب من اللا إنسانيه ..
"تك .. تك .. تك"
ما زالت تعلك !
غبيه أبله مديحه ..
تظن بأنني سأكتب كلمه واحده يا أسامه ..
تظن بأني سأسلمها هذي الثرثره التي ما كنت لاكتبها الا لتمضيه الوقت ..
كيف اسمح لها بأن تقرأ رسالتي .. مشاعري .. دموعي
ثم تلوث بياضها بقلمها الأحمر !
مشاعري لا تخطيء ..
ولا دموعي ..
رسالتي هذه ليست للتصويب .. !!
لماذا يجعلون الأمر بهذه البساطه البشعه !!
ابله مديحه لاحظت ارتباكي ..
كثره التفاتي ..
" عينك في ورائك يا بنت يا ساره "
يااااه .. ما زالت ساذجه ..
تفلت العلك في منديل أبيض ..
وأخرجت من حقيبتها آخر ..
"تك .. تك .. تك"
مره أخـرى ..
وكأنها تأبي الا أن يرافق هذا الإيقاع الرتيب الوجع الأقسى ..
فطوم تنظر إلى بشفقه أكبر ..
تهمس : " ساره عطيني ورقتك اكتب لك التعبير باقي عشر دقايق بس "
اتظاهر بالصمم .. ولا أرد ..
عشر دقائق فقط .. وينتهى مهرجان السخف هذا ..
ماذا سأكتب ايضا ؟
اغنيه لمحمد عبده ؟
قصيده لمحمود درويش ؟
أم أكتب عن حاله الطقس اليوم .. وشاعريه الشتاء في الكويت ..
وكيف أنه .. يبعث فيّ الرغبه في الاحتضان ..
وكيف أنني .. لا أجد من احتضنه .. !!
سأكتب عن أي شيء يا أسامه ..
إلا عنك !
بدأت تمطر في الخارج ..
ممتنه أنا للسماء ..
اعرف انني عندما اغادر الصف ..
سأقف تحت المطر .. وأبكي ..
وأبكي .. وأبكي ..
لكي لا يلحظ أحد غزاره دمـــوعي ..
فيمر الأمر بخير ..
دون إثاره فضول وتساؤلات .. وشفقه كريهه أبغض صاحبها .. رغم نبل مشاعره ..!
الشتاء بارد هذا العام .. والنوافذ مغطاه بالضباب ..
أحب منظرها هكذا ..
بالمناسبه .. كيف هو الجو في العراق ؟
يقولون بأن الشتاء قاس هناك ..
أمي اشترت لك بالأمس ستره جلديه فاخره ..
عندما قرأت الذعر في عيني قالت " الجو بـارد " ..
أسامه ..
قبل أن تعود ..
أخبرنا أنك عازم على العوده ..
حتى اتوقف عن هذا البكاء الصامت ..
وأفكر لوهله .. بالصراخ فوق السطوح ..
الانتظار متعب ..
ورخام أرضيه الشرفه بارد ..
والأرجح أنني سأصاب باحتقان في حنجرتي ..
أو بنزله برد ..
دقائق بقيت ..
الطالبات يغادرن الصف ..
سأغادر ايضاً ..
سأعطي ابله مديحه ورقه الاختبار فارغه ..
أما بالنسبه لهذه الرساله التي اكتبها الآن ..
فسأدسها في جيبي ..
وبخصوص الصفر الرائع الذي سيزخرف شهادتي غداً .. فكن واثقاً بأنني نلت الدرجه الأعلى ..
أحبك كثيراً ..
ســــاره
قصه منقوله**17** <==للامانه فقط