حبوبة الشرقية
07-08-2003, 12:50 PM
أما قصتنا في هذا العدد فهي سلسلة رهيبة من المواقف العجيبة .. ولا عجب .. فإنها مأساة عمر طويل ، فلا غرابة أن يجتمع فيها كل هذا الزخم الهائل من المآسي المحزنة . وكما قيل : إذا جاءت السَّـنَة جاء معها أعوانها .
ولذا أقول : لو لم أقف على هذه القصة وأنقل مشاهدها المؤلمة عن لسان من عاشت أحداثها لظننتها نسجاً من الخيال أو ضرباً من المبالغة .فلقد حار اليـراع وهار وهو يدبج مشاهد هذه القصة ،فما إن ينقضي عجبه من مشهد إلا وهو أمام مشهد أعجب منه .
امرأة حزينة ، ابيض شعرها من طوارق الأيام ...وبدا وجهها بائساً من تفاقم الآلام .
تتقلب في كف الدهر كأنها حبة في مقلاة ، وغوائل الليالي تجرها من معاناة إلى معاناة ، فلسان حالها يقول :
كأنني صارمٌ في كفِّ منهزمِ .... تقلّدتني الليالي وهي مدبرةٌ
ولا أطيل عليكم ، فلنسلم زمام الحديث إلى هذه المرأة لتروي لنا معاناتها مع زوجها .
تقول : بدأت حياتي سعيدة مع زوجي الذي كان يعمل رئيساً في شركة مرموقة براتب مغري ... كنت أشعر بأنني أسعد زوجة في الدنيا ، فهو يحبني ويدللني ويفيض العطف علي وعلى أولادي…. ..وإذا ما غاضبته أو غاضبني كان هو المبادر إلى استرضائي .. كنت وكأني ملكة في بيتي وبين أحضان أسرتي .. بل أنا كذلك .
وتمضي الأيام وسرعان ما يتحول هذا النعيم إلى جحيم .
بدأ مسلسل الأحداث المرة بتغير مفاجئ في حالة زوجي النفسية…. مزاج حاد متقلب .. عصبية لأتفه الأسباب .. إلى أن بلغ الأمر الضرب الذي فرق الأورام على صفحات وجهي .
نعم .. ليس هذا زوجي الذي كنت أعرفه ، بل هو إنسان آخر ، الحياة معه لا تطاق .. فلا حب .. لا عطف .. لا حنان .. وأستحيي أن أقول لا إنسانية .
كان يأتي إلى البيت ورائحته كريهة جداً ، وفي يوم من الأيام أخذت ثيابه كالعادة لأقوم بغسلها فوقعت يدي على مادة غريبة تبين لي فيما بعد أنها قطعة من الحشيش المخدر .
اكتشفت الطامة المفجعة ، وهي أن زوجي غدا مدمناً للمخدرات .. لم تنجح محاولاتي المتكررة في نصحه فقد كنت كما لو أني أضرب في حديد بارد .. لجأت إلى والديه واستنجدت بهما في نصحه وإرشاده للعلاج .. استجابا لطلبي وحضرا للمنزل وليتهما لم يحضرا .. فما إن تحدثا معه في الموضوع إلا وشتمهما وضربهما وطردهما من المنزل .
ازدادت حالة زوجي سوءاً يوماً بعد يوم إلى أن بلغ به الحال إلى سوء الظن وإثارة الشكوك بسلوكي .. كنت أتصبر أمام هذه الاتهامات، وأقبض على مستقبل هذه الأسرة كما لو أني أقبض على جمرة .. ربما لا تصدقوني أن المخدرات بلغت به مبلغ الشك حتى في سلوك ابنتي الصغيرة البالغة من العمر سبع سنوات !!! .
في أحد الأيام يطرق الباب مغضباً فتقوم المسكينة لفتح الباب ، لكنه في سكره وعربدته يخيل إليه أنها تجلس مع رجال!!! كيف؟ لا أدري .. ينهال عليها بالضرب فتهرب المسكينة وينطلق وراءها كالمسعور فيجدها مختبئة في غرفتي .. يرسل عليها قنابل من زجاجات العطور فيشوه جسمها ويكسر يدها .
صرخت بأعلى صوتي من هول الموقف .. اتصلت بأخي .. نقلنا ابنتي إلى المستشفى وقد دخل الزجاج في عينيها البريئتين فأفقدها النظر ردحاً من الزمان .
وفي يوم آخر من أيام عمري البائسة ، يدخل زوجي علينا كالثور الهائج فيأخذ ولدي الصغير ويلقي به في الشارع فيتورم رأسه ، ولكن من لطف الله أن أم زوجي كانت معنا في المنزل فتأخذ ابني إلى المستشفى ليتم إسعافه .
كان تناول زوجي للمخدرات بمثابة إعلان لحالة الطوارئ في المنزل فكل شيء محزن يمكن أن يقع .ما إن يتناول هذه السموم حتى يتحول إلى مخلوق آخر قلب بلا رحمة .. جسم بلا عقل .. حيوان في مسلاخ بشر !!!
يدخل علينا يوماً وقد احتد مزاجه بعد أن فقد عقله فيلقي ( ثلاجة ) الشاي الحار على رأس ابنتي الصغيرة فتصاب بحروق وتشوهات لا تزال إلى يومي هذا تنطق على صفحات وجهها ببشاعة الموقف .
الصلاة خير من النوم :
أما ثالثة الأثافي ، وداهية الدواهي التي رميت بها فكانت في ابني الأكبر ، وكان عمره حينئذ اثنا عشر عاماً .. كان ابني هو بصيص الأمل الذي بقي لي في حياتي المظلمة ، فقد يئست من زوجي الذي قتل آمالي .. وحطم كل المعاني الجميلة في نفسي .. بل وحطم أثاث البيت .. حتى الأبواب لم تسلم من شراسته .. ، لم يبق لنا في البيت سوى غرفة واحدة أتحصن فيها أنا وأولادي من شر طوارق الليل المرعب الذي يقضيه زوجي مع رفقة السوء .
في ليلة داجية يجتمع زوجي مع رفاقه في مجلس من مجالس الشيطان . وكان من الطبيعي أن يحدث ما لا تحمد عقباه في نهاية هذا المشهد .. أخذت بناتي وولدي إلى الغرفة وأقفلت الباب .. مضت الساعات .. نام الأولاد وبقيت لوحدي ، وكيف لي أن أنام وقد تسربلت بثياب من الرعب زاد بها قلقي ، وطال بها ليلي .
مع هزيع الليل الدامس ، وعند الساعة الثالثة يرتج باب الغرفة وقد حال بيني وبين زوجي الذي يصرخ : افتحي الباب .. صرخت : لن أفتح .. أستيقظ الأولاد .. للأسف لم يصمد الباب طويلاً فقد حطمته ثورة زوجي العارمة .. يدخل الغرفة وفي عينيه الجاحظتين هالة من الغضب فينهال علي وعلى أولادي ضرباً بكل ما تناولته يديه حتى تمزقت ملابسي .. تقع العصا في يديه فتنكسر على رأس ولدي .. يلتفت يميناً وشمالاً فلا يجد سوى الطاولة فيهوي بها على رأس الصغير فإذا الدماء تتفجر من رأسه .. صرخت بأعلى صوتي مستنجدة بمن قد يسمعني من الجيران الذين باتوا في بيوتهم هاجعين ، ولكن لا مجيب ولا معين . أسرعت إلى ( الثلاجة) لأخرج قطعاً من الثلج وأضعها على رأس ابني وأربطه بـ ( الغترة ) ، ولكن لا فائدة فلا تزال الدماء تشخب من جرحه كسيل العرم .
الله أكبر .. الصلاة خير من النوم .. لا زالت في ذاكرتي تلك النداءات الروحانية التي كانت تترد من المسجد المجاور في أجواء ذلك الموقف العصيب .. خرجت من المنزل أجري من هول المصيبة بلا شعور .. بلا نعال .. بل والله بلا حجاب . أطرق باب الجيران فيخرج جارنا بثياب النوم .. أخبره بما جرى فيجري إلى المنزل وأنا أجري وراءه .. وإذا بفلذة كبدي يسبح في دمائه .. نحمله إلى المستشفى فيوضع تحت العناية المركزة لمدة ثلاثة أسابيع .. وتأتي الفاجعة الموجعة التي تجرعت مرارتها على مدى الأيام إذ يقرر الأطباء أن ابني قد اختل عقله من جراء الضربة . كان هذا الموقف بمثابة السهم الذي أصاب حبة الفؤاد .
بعد شهرين خرج ابني من المستشفى ، عالةً علي في المنزل ، لا يملك لنفسه صرفاً ولا نصراً .. فهل عساه أن يكون لي ردءاً يعينني على مصاعب الحياة ؟!!!.
ماذا أفعل وقد ضاقت علي الدنيا بما رحبت فكأنها ظل رمح أو هي أضيق .. اشتد كربي حتى كدت أن أقضي نحبي .. تراكمت غمومي ، وتتابعت همومي .. واتصلت أحزاني ، وتواترت أشجاني ، لكني مع هذا كله لم أزل أسلي نفسي بزوال المحنة وانكشاف الغمة . فلكل هم فرج .. ولكل ضيق مخرج. فعسى أن يكون قريباً .
تمنيت أن يموت :
تواصل الزوجة حديثها عن معاناتها مع زوجها المدمن . وصوتها يجهش بالبكاء بين كلماتها المتعثرة .
تقول : صدقوني .. تمنيت أن يموت .. كانت هذه وللأسف أمنيتي تجاه زوجي ..
وبعد أن بلغ السيل الزبى ، ولامس السكين العظم دعوت الله تعالى أن يقبض عليه ويسجن .. بعد أسبوع من دعائي الحار يقبض عليه رجال الأمن ليقضي عقوبة السجن لمدة عامين .
بدأت معاناة أخرى مع أولادي الصغار وأسئلتهم المتكررة بلا كلل ولا ملل : أين أبي ؟ لماذا قبضوا عليه ؟ لماذا دخل السجن ؟ …أتوه في فكري فلا أجد لتساؤلاتهم جواباً إلا أن أقول بكل سذاجة : هذا جزاء الذي يطيع الشيطان !!.
كنت أزوره في السجن .. وفي إحدى الزيارات طلب مني أن يرى ولده الصغير في الزيارة القادمة . لبيت طلبه وليتني لم أفعل ، فها هو ولدي الصغير يسألني بكل براءة ونحن في طريق العودة إلى المنزل : لماذا لا يأتينا أبي في المنزل مثل والد الجيران ؟ لماذا يضعون أبي في الشبك ؟ كانت هذه الأسئلة تنزل على قلبي كالسكاكين فلا أجد لها جواباً إلا الصمت ، بكل ما يحويه من ألم وحزن .
وفي السجن .. كان زوجي قد ابتعد عن رفقة السوء ومجالسهم فتغيرت أحواله وسبحان مقلب القلوب . لا أستطيع أن أصف لكم كم كنت مسرورة برجوع زوجي إلى جادة الصواب .. ورب ضارة نافعة .
بعد انقضاء المدة يخرج زوجي من السجن ولله الحمد محافظاً على الصلاة متمسكاً بالخلق والفضيلة .. ولما كان فقد وظيفته الأولى بدأ يبحث عن وظيفة أخرى .. وبعد جهد متواصل عثر على وظيفة مناسبة إلى حد ما وإن كانت بالطبع دون الوظيفة الأولى .
كنت أظن أن زوجي عاد إلى رشده وأقلع عن المخدرات بالمرة .. ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان . فقد تجمع حوله رفاقه السابقون ولم يبرحوا حتى استدرجوه بألاعيبهم إلى وهدة الإدمان من جديد ، وسرعان ما عادت حليمة إلى عادتها القديمة ، لأبدأ معها سلسلة أخرى من الأحدث الأليمة .
وما هي إلا أيام ويفصل زوجي من الوظيفة الجديدة فتتردى أحوالنا المادية بفصله من وظيفته من جهة ، وإدمانه على المخدرات من جهة أخرى .. لم يكن مستغرباً أن يقوم ببيع معظم أثاث المنزل ، بل وحتى أدوات المطبخ طمعاً في الحصول على المخدرات التي أنسته نفسه وأولاده . ومع هذا كله لم تكن هذه الأموال لتشبع شراهته في تعاطي المخدرات فكان لا بد من ثمن أغلى . فماذا كان الثمن يا ترى ؟ .
كان الثمن وللأسف ابنتي الصغيرة ذات الأحد عشر ربيعاً !!.إذ يقوم بتزويجها رجلاً منبوذاً مصاباً بانفصام الشخصية .
في الواقع لم يكن اهتمامه بكفاءة الزوج بقدر لهفته على تحصيل المهر البالغ خمسين ألف ريال .
وتم له ما أراد فسلب ابنتي مهرها لينفقه في سمومه التي ملكت قلبه . وعلى كل حال مضت الأيام والأعوام ورزقت ابنتي بعدد من الأطفال من هذا الرجل المريض .
وفي صفحة أخرى من صفحات عمري المظلمة يغرق أكبر أبناء ابنتي في دورة المياه فتصاب المسكينة بانهيار عصبي دخلت على إثره المصحة النفسية . لم يحتمل زوجها ما حدث فيعمد إلى طلاقها لتعود إلى البيت ومعها من بقي من أطفالها .
أثقل كاهلي ..وضاقت حيلتي وأنا أحمل أعباء المنزل ، وبين يدي أولادي الإثني عشر وقد انضم إليهم أبناء ابنتي المطلقة.
أما زوجي فقد كان في الواقع في عداد الأموات ، بل ليته يموت فأستريح .
في أواخر الأيام قام زوجي بتقسيم البيت واستقل بمفرده في قسم ، وترك لنا القسم الآخر .
لم يكن يعيرنا أدنى رعاية أو اهتمام إلا إذا نفذ ما بيده من النقود فيدخل البيت ويأخذ ما وقعت عليه يده من قوتنا الذي كان يصلنا من المحسنين أو الجمعيات الخيرية ثم يمضي ، وقد يغيب بعدها أسبوعين مع شياطين الإنس ونحن لا نعلم عنه شيئاً .
ولم تكن المأساة لتقف عند هذا الحد ، بل تعدت آثارها إلى الأولاد الذين تأثروا بسلوك والدهم السيئ فكان بعضهم يغيب عن المنزل أياماً عديدة دون حسيب أو رقيب .
وفي النهاية اكتشفت الحقيقة المرة .. فقد بدأ ثلاثة من أولادي يمارسون أنواعاً من السرقة .
لم أيأس من روح الله
تفكرت في أيامي التي خلت .. ونزعت مني ما ألبست .. وسلبت ضعف ما وهبت .. وأوحشت فوق ما آنست .. وفجعت بأكثر مما متعت ، فكدت أموت كمداً وحسرة .
ولكن عزائي بعد هذا المشوار الطويل أنني ولله الحمد مؤمنة ، أعلم أن الله لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ، فالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه .
صدقوني .. لم أفقد الأمل .. لم أيأس من روح الله .. فأنا أدعو الله في صلاتي ليلاً ونهاراً بأن يرد لي زوجي ،ويصلح أولادي ، ويعيد أيامي السعيدة التي غربت شمسها وأفلت نجومها .. فلعل فجراً صادقاً يضيء حياتي من جديد .
وأقول : إنها أيها الأخوة صفحة سوداء ، ليست الوحيدة في سجل المخدرات .. سطرتها دموع الأبرياء ، بكل ما تحمله من أحزان وآهات .
فإلى متى يصر أولئك المدمنون الغافلون على الولوغ في مستنقعات الرذيلة ، ناسين أو متناسين أن وراءهم أطفالاً ونساءً يتضاغون من ألم الضياع والحرمان .
هل انتزعت الرحمة من قلوبهم ؟ أم استلت العقول من أجسادهم ؟ أم أن المخدرات طمست كل صورة مشرقة في أذهانهم ،فلم يبق فيها إلا صور باهتة مظلمة فهي تفرز قيحها وصديدها على أجسادهم وأهليهم ومجتمعهم يوماً بعد يوم.
هذه نهاية المخدرات
تحياتي للجميع:
حبوبة الشرقية
ولذا أقول : لو لم أقف على هذه القصة وأنقل مشاهدها المؤلمة عن لسان من عاشت أحداثها لظننتها نسجاً من الخيال أو ضرباً من المبالغة .فلقد حار اليـراع وهار وهو يدبج مشاهد هذه القصة ،فما إن ينقضي عجبه من مشهد إلا وهو أمام مشهد أعجب منه .
امرأة حزينة ، ابيض شعرها من طوارق الأيام ...وبدا وجهها بائساً من تفاقم الآلام .
تتقلب في كف الدهر كأنها حبة في مقلاة ، وغوائل الليالي تجرها من معاناة إلى معاناة ، فلسان حالها يقول :
كأنني صارمٌ في كفِّ منهزمِ .... تقلّدتني الليالي وهي مدبرةٌ
ولا أطيل عليكم ، فلنسلم زمام الحديث إلى هذه المرأة لتروي لنا معاناتها مع زوجها .
تقول : بدأت حياتي سعيدة مع زوجي الذي كان يعمل رئيساً في شركة مرموقة براتب مغري ... كنت أشعر بأنني أسعد زوجة في الدنيا ، فهو يحبني ويدللني ويفيض العطف علي وعلى أولادي…. ..وإذا ما غاضبته أو غاضبني كان هو المبادر إلى استرضائي .. كنت وكأني ملكة في بيتي وبين أحضان أسرتي .. بل أنا كذلك .
وتمضي الأيام وسرعان ما يتحول هذا النعيم إلى جحيم .
بدأ مسلسل الأحداث المرة بتغير مفاجئ في حالة زوجي النفسية…. مزاج حاد متقلب .. عصبية لأتفه الأسباب .. إلى أن بلغ الأمر الضرب الذي فرق الأورام على صفحات وجهي .
نعم .. ليس هذا زوجي الذي كنت أعرفه ، بل هو إنسان آخر ، الحياة معه لا تطاق .. فلا حب .. لا عطف .. لا حنان .. وأستحيي أن أقول لا إنسانية .
كان يأتي إلى البيت ورائحته كريهة جداً ، وفي يوم من الأيام أخذت ثيابه كالعادة لأقوم بغسلها فوقعت يدي على مادة غريبة تبين لي فيما بعد أنها قطعة من الحشيش المخدر .
اكتشفت الطامة المفجعة ، وهي أن زوجي غدا مدمناً للمخدرات .. لم تنجح محاولاتي المتكررة في نصحه فقد كنت كما لو أني أضرب في حديد بارد .. لجأت إلى والديه واستنجدت بهما في نصحه وإرشاده للعلاج .. استجابا لطلبي وحضرا للمنزل وليتهما لم يحضرا .. فما إن تحدثا معه في الموضوع إلا وشتمهما وضربهما وطردهما من المنزل .
ازدادت حالة زوجي سوءاً يوماً بعد يوم إلى أن بلغ به الحال إلى سوء الظن وإثارة الشكوك بسلوكي .. كنت أتصبر أمام هذه الاتهامات، وأقبض على مستقبل هذه الأسرة كما لو أني أقبض على جمرة .. ربما لا تصدقوني أن المخدرات بلغت به مبلغ الشك حتى في سلوك ابنتي الصغيرة البالغة من العمر سبع سنوات !!! .
في أحد الأيام يطرق الباب مغضباً فتقوم المسكينة لفتح الباب ، لكنه في سكره وعربدته يخيل إليه أنها تجلس مع رجال!!! كيف؟ لا أدري .. ينهال عليها بالضرب فتهرب المسكينة وينطلق وراءها كالمسعور فيجدها مختبئة في غرفتي .. يرسل عليها قنابل من زجاجات العطور فيشوه جسمها ويكسر يدها .
صرخت بأعلى صوتي من هول الموقف .. اتصلت بأخي .. نقلنا ابنتي إلى المستشفى وقد دخل الزجاج في عينيها البريئتين فأفقدها النظر ردحاً من الزمان .
وفي يوم آخر من أيام عمري البائسة ، يدخل زوجي علينا كالثور الهائج فيأخذ ولدي الصغير ويلقي به في الشارع فيتورم رأسه ، ولكن من لطف الله أن أم زوجي كانت معنا في المنزل فتأخذ ابني إلى المستشفى ليتم إسعافه .
كان تناول زوجي للمخدرات بمثابة إعلان لحالة الطوارئ في المنزل فكل شيء محزن يمكن أن يقع .ما إن يتناول هذه السموم حتى يتحول إلى مخلوق آخر قلب بلا رحمة .. جسم بلا عقل .. حيوان في مسلاخ بشر !!!
يدخل علينا يوماً وقد احتد مزاجه بعد أن فقد عقله فيلقي ( ثلاجة ) الشاي الحار على رأس ابنتي الصغيرة فتصاب بحروق وتشوهات لا تزال إلى يومي هذا تنطق على صفحات وجهها ببشاعة الموقف .
الصلاة خير من النوم :
أما ثالثة الأثافي ، وداهية الدواهي التي رميت بها فكانت في ابني الأكبر ، وكان عمره حينئذ اثنا عشر عاماً .. كان ابني هو بصيص الأمل الذي بقي لي في حياتي المظلمة ، فقد يئست من زوجي الذي قتل آمالي .. وحطم كل المعاني الجميلة في نفسي .. بل وحطم أثاث البيت .. حتى الأبواب لم تسلم من شراسته .. ، لم يبق لنا في البيت سوى غرفة واحدة أتحصن فيها أنا وأولادي من شر طوارق الليل المرعب الذي يقضيه زوجي مع رفقة السوء .
في ليلة داجية يجتمع زوجي مع رفاقه في مجلس من مجالس الشيطان . وكان من الطبيعي أن يحدث ما لا تحمد عقباه في نهاية هذا المشهد .. أخذت بناتي وولدي إلى الغرفة وأقفلت الباب .. مضت الساعات .. نام الأولاد وبقيت لوحدي ، وكيف لي أن أنام وقد تسربلت بثياب من الرعب زاد بها قلقي ، وطال بها ليلي .
مع هزيع الليل الدامس ، وعند الساعة الثالثة يرتج باب الغرفة وقد حال بيني وبين زوجي الذي يصرخ : افتحي الباب .. صرخت : لن أفتح .. أستيقظ الأولاد .. للأسف لم يصمد الباب طويلاً فقد حطمته ثورة زوجي العارمة .. يدخل الغرفة وفي عينيه الجاحظتين هالة من الغضب فينهال علي وعلى أولادي ضرباً بكل ما تناولته يديه حتى تمزقت ملابسي .. تقع العصا في يديه فتنكسر على رأس ولدي .. يلتفت يميناً وشمالاً فلا يجد سوى الطاولة فيهوي بها على رأس الصغير فإذا الدماء تتفجر من رأسه .. صرخت بأعلى صوتي مستنجدة بمن قد يسمعني من الجيران الذين باتوا في بيوتهم هاجعين ، ولكن لا مجيب ولا معين . أسرعت إلى ( الثلاجة) لأخرج قطعاً من الثلج وأضعها على رأس ابني وأربطه بـ ( الغترة ) ، ولكن لا فائدة فلا تزال الدماء تشخب من جرحه كسيل العرم .
الله أكبر .. الصلاة خير من النوم .. لا زالت في ذاكرتي تلك النداءات الروحانية التي كانت تترد من المسجد المجاور في أجواء ذلك الموقف العصيب .. خرجت من المنزل أجري من هول المصيبة بلا شعور .. بلا نعال .. بل والله بلا حجاب . أطرق باب الجيران فيخرج جارنا بثياب النوم .. أخبره بما جرى فيجري إلى المنزل وأنا أجري وراءه .. وإذا بفلذة كبدي يسبح في دمائه .. نحمله إلى المستشفى فيوضع تحت العناية المركزة لمدة ثلاثة أسابيع .. وتأتي الفاجعة الموجعة التي تجرعت مرارتها على مدى الأيام إذ يقرر الأطباء أن ابني قد اختل عقله من جراء الضربة . كان هذا الموقف بمثابة السهم الذي أصاب حبة الفؤاد .
بعد شهرين خرج ابني من المستشفى ، عالةً علي في المنزل ، لا يملك لنفسه صرفاً ولا نصراً .. فهل عساه أن يكون لي ردءاً يعينني على مصاعب الحياة ؟!!!.
ماذا أفعل وقد ضاقت علي الدنيا بما رحبت فكأنها ظل رمح أو هي أضيق .. اشتد كربي حتى كدت أن أقضي نحبي .. تراكمت غمومي ، وتتابعت همومي .. واتصلت أحزاني ، وتواترت أشجاني ، لكني مع هذا كله لم أزل أسلي نفسي بزوال المحنة وانكشاف الغمة . فلكل هم فرج .. ولكل ضيق مخرج. فعسى أن يكون قريباً .
تمنيت أن يموت :
تواصل الزوجة حديثها عن معاناتها مع زوجها المدمن . وصوتها يجهش بالبكاء بين كلماتها المتعثرة .
تقول : صدقوني .. تمنيت أن يموت .. كانت هذه وللأسف أمنيتي تجاه زوجي ..
وبعد أن بلغ السيل الزبى ، ولامس السكين العظم دعوت الله تعالى أن يقبض عليه ويسجن .. بعد أسبوع من دعائي الحار يقبض عليه رجال الأمن ليقضي عقوبة السجن لمدة عامين .
بدأت معاناة أخرى مع أولادي الصغار وأسئلتهم المتكررة بلا كلل ولا ملل : أين أبي ؟ لماذا قبضوا عليه ؟ لماذا دخل السجن ؟ …أتوه في فكري فلا أجد لتساؤلاتهم جواباً إلا أن أقول بكل سذاجة : هذا جزاء الذي يطيع الشيطان !!.
كنت أزوره في السجن .. وفي إحدى الزيارات طلب مني أن يرى ولده الصغير في الزيارة القادمة . لبيت طلبه وليتني لم أفعل ، فها هو ولدي الصغير يسألني بكل براءة ونحن في طريق العودة إلى المنزل : لماذا لا يأتينا أبي في المنزل مثل والد الجيران ؟ لماذا يضعون أبي في الشبك ؟ كانت هذه الأسئلة تنزل على قلبي كالسكاكين فلا أجد لها جواباً إلا الصمت ، بكل ما يحويه من ألم وحزن .
وفي السجن .. كان زوجي قد ابتعد عن رفقة السوء ومجالسهم فتغيرت أحواله وسبحان مقلب القلوب . لا أستطيع أن أصف لكم كم كنت مسرورة برجوع زوجي إلى جادة الصواب .. ورب ضارة نافعة .
بعد انقضاء المدة يخرج زوجي من السجن ولله الحمد محافظاً على الصلاة متمسكاً بالخلق والفضيلة .. ولما كان فقد وظيفته الأولى بدأ يبحث عن وظيفة أخرى .. وبعد جهد متواصل عثر على وظيفة مناسبة إلى حد ما وإن كانت بالطبع دون الوظيفة الأولى .
كنت أظن أن زوجي عاد إلى رشده وأقلع عن المخدرات بالمرة .. ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان . فقد تجمع حوله رفاقه السابقون ولم يبرحوا حتى استدرجوه بألاعيبهم إلى وهدة الإدمان من جديد ، وسرعان ما عادت حليمة إلى عادتها القديمة ، لأبدأ معها سلسلة أخرى من الأحدث الأليمة .
وما هي إلا أيام ويفصل زوجي من الوظيفة الجديدة فتتردى أحوالنا المادية بفصله من وظيفته من جهة ، وإدمانه على المخدرات من جهة أخرى .. لم يكن مستغرباً أن يقوم ببيع معظم أثاث المنزل ، بل وحتى أدوات المطبخ طمعاً في الحصول على المخدرات التي أنسته نفسه وأولاده . ومع هذا كله لم تكن هذه الأموال لتشبع شراهته في تعاطي المخدرات فكان لا بد من ثمن أغلى . فماذا كان الثمن يا ترى ؟ .
كان الثمن وللأسف ابنتي الصغيرة ذات الأحد عشر ربيعاً !!.إذ يقوم بتزويجها رجلاً منبوذاً مصاباً بانفصام الشخصية .
في الواقع لم يكن اهتمامه بكفاءة الزوج بقدر لهفته على تحصيل المهر البالغ خمسين ألف ريال .
وتم له ما أراد فسلب ابنتي مهرها لينفقه في سمومه التي ملكت قلبه . وعلى كل حال مضت الأيام والأعوام ورزقت ابنتي بعدد من الأطفال من هذا الرجل المريض .
وفي صفحة أخرى من صفحات عمري المظلمة يغرق أكبر أبناء ابنتي في دورة المياه فتصاب المسكينة بانهيار عصبي دخلت على إثره المصحة النفسية . لم يحتمل زوجها ما حدث فيعمد إلى طلاقها لتعود إلى البيت ومعها من بقي من أطفالها .
أثقل كاهلي ..وضاقت حيلتي وأنا أحمل أعباء المنزل ، وبين يدي أولادي الإثني عشر وقد انضم إليهم أبناء ابنتي المطلقة.
أما زوجي فقد كان في الواقع في عداد الأموات ، بل ليته يموت فأستريح .
في أواخر الأيام قام زوجي بتقسيم البيت واستقل بمفرده في قسم ، وترك لنا القسم الآخر .
لم يكن يعيرنا أدنى رعاية أو اهتمام إلا إذا نفذ ما بيده من النقود فيدخل البيت ويأخذ ما وقعت عليه يده من قوتنا الذي كان يصلنا من المحسنين أو الجمعيات الخيرية ثم يمضي ، وقد يغيب بعدها أسبوعين مع شياطين الإنس ونحن لا نعلم عنه شيئاً .
ولم تكن المأساة لتقف عند هذا الحد ، بل تعدت آثارها إلى الأولاد الذين تأثروا بسلوك والدهم السيئ فكان بعضهم يغيب عن المنزل أياماً عديدة دون حسيب أو رقيب .
وفي النهاية اكتشفت الحقيقة المرة .. فقد بدأ ثلاثة من أولادي يمارسون أنواعاً من السرقة .
لم أيأس من روح الله
تفكرت في أيامي التي خلت .. ونزعت مني ما ألبست .. وسلبت ضعف ما وهبت .. وأوحشت فوق ما آنست .. وفجعت بأكثر مما متعت ، فكدت أموت كمداً وحسرة .
ولكن عزائي بعد هذا المشوار الطويل أنني ولله الحمد مؤمنة ، أعلم أن الله لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ، فالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه .
صدقوني .. لم أفقد الأمل .. لم أيأس من روح الله .. فأنا أدعو الله في صلاتي ليلاً ونهاراً بأن يرد لي زوجي ،ويصلح أولادي ، ويعيد أيامي السعيدة التي غربت شمسها وأفلت نجومها .. فلعل فجراً صادقاً يضيء حياتي من جديد .
وأقول : إنها أيها الأخوة صفحة سوداء ، ليست الوحيدة في سجل المخدرات .. سطرتها دموع الأبرياء ، بكل ما تحمله من أحزان وآهات .
فإلى متى يصر أولئك المدمنون الغافلون على الولوغ في مستنقعات الرذيلة ، ناسين أو متناسين أن وراءهم أطفالاً ونساءً يتضاغون من ألم الضياع والحرمان .
هل انتزعت الرحمة من قلوبهم ؟ أم استلت العقول من أجسادهم ؟ أم أن المخدرات طمست كل صورة مشرقة في أذهانهم ،فلم يبق فيها إلا صور باهتة مظلمة فهي تفرز قيحها وصديدها على أجسادهم وأهليهم ومجتمعهم يوماً بعد يوم.
هذه نهاية المخدرات
تحياتي للجميع:
حبوبة الشرقية